الاثنين، 14 ديسمبر 2015

ليس في البحر موجة جديدة لكنه مستمر في الولادة، هكذا انت، تشبه البحر، ملامح وصوت واحد، لكن هناك شيء فيك مثل موجة يمتد إلي كل يوم ويزهر في قلبي دائما.

اسكن الطابق العشرين في البناية، ليس فوقي سوى الفضاء والغيوم التي لم تتفتت منذ أسابيع. قبل قليل، وحين كنت أنظر لحائط غرفتي في الظلام، مرت سيارة ورسمت بضوءها أشكالا على الحائط: مربعات.. خيوط من ماء، وحركة منحتني بعض الألفة، مرت السيارة مسرعة وعادت الغرفة لظلامها، للون الأسود الذي يبتلع كل شيء، فكرت فيك، ما الذي تفعله الآن.. ما الذي تفعله دائما، وسؤالي هذا لا ينبع من فضول أو من غاية امتلاك الآخر بكل تفاصيله الحميمية، لكنك تدفعني للتساؤل مذ عرفتك، وتتملكني الحيرة عما يفعله كائن وحيد مثلك، وحيد عن الاشياء والآخرين ومنسلخ بشكل رقيق ونهائي عن نفسك التي تطوف في الفراغ، وإن تساؤلي هذا يشبه تساؤل الشباك عن سبب وجود شكل دائري متكئ على أعواد طويلة مطوية، وفي هذا الشكل يوجد ثقبان أسودان في دائرتين بيضاويتين، وهما يمطران كثيرا.. أكثر من السماء،
لم أكتب إليك منذ وقت طويل، لأني كنت في تفكير دائم بالآخرين، بجميع من أعرفهم، اصدقائي واقاربي وكل من يحتل انشا في الذاكرة، كما فكرت بالمجد كثيرا، وهو جل ما يدفعني للندم والتحسر، ففي لحظات المجد والتلألئ تلك كان هناك شيء ما يحاول الغاء انانيتي وعبور المنطقة الصفراء للصراخ: أن وجودك اهم من ذلك بكثير، فأنت خيط صغير في نسيج هذا العالم.

وكان دافع هذا الشعور هو بؤس العالم والشوارع الضيقة والاضواء المسائية التي تبعث على البكاء بدونك.
لكن اكثر ما فكرت فيه، هو التسمية والاسامي التي تملأ حيزا كبيرا من ذاكرتنا، اسم الاصدقاء والشوارع والألوان والاشياء وكل مادة في هذا الوجود، وقد اصابني هذا التخيل لضخامة عدد الأسامي بالمرارة وعجزت عن مواصلة التفكير، بدا لي العالم طفلا تفوح منه رائحة الحليب، وفجاة امتلأ فمه بالاسامي، فتغير لون بشرته واختنق ولم يعد للضحك ثانية.. إن هذا الطفل هو العالم،

أدرت موسيقى لشوبان وتركتها تتغلغل في نفسي، لم استمع للموسيقى منذ وقت طويل. اخذت ورقة كنت قد رسمتها من قبل، فيها فتاتان وقطتان يحمل انفهما شكل أحمر شفاه، واطلت النظر فيها، موسيقى هادئة، وصورة رسمتها حين كنت استمع لصوتك، احسست لوهلة بالطمانينة والسعادة اللامبررة وابتسمت. كانت إحدى الخطوط التي تمثل اصبع احدى الفتاتين في الصورة تتحرك بخفة، ثم لحقتها الاصابع الأخرى، ثم قامت الفتاة الأخرى بتقليدها، والقطتان قامتا بالطواف حول الفتاتين بخمول، كانت الورقة دافئة: فتاتان تعزفان لحن شوبان، وقطتان تطوفان في الفراغ الذي تتركه الموسيقى في القلب.
وللعودة الى التسمية، فانا حين كتبت الرسالة إليك وودت ان أصف لك ما جرى واربط قلبك إلى الورقة، فكان لا بد لي من ذكر الموسيقى التي كنت اسمعها وقامت الفتاتان بعزفها، فكتبت شوبان المينور الخامس ووضعت نقطة. ومثلما يقودني صوتك وافكارك بشكل دائم الى التساؤل ومن ثم للحقيقة، فتساءلت ماذا لو ان لا وجود للاسماء، كيف كنت ساصف الموسيقى على الورقة_بإعتباري جاهلة في قراءة نوتات الموسيقى_، هل كنت سأبكم واكتب اليك رسالة منطقية جافة سوى من بضع كلمات؟.. ندرك الآن سوية يا صديقي، ان الأسامي وجدت لتخرج اللامحسوس من منطقته ورميه إلى الوجود، فالتقطه أنا واهديه لقلبك الذي يرتجف كل ليلة بينما تمر اضواء السيارات على حائط غرفتي،

واليوم صباحا، فتحت عيني بخوف و اطمأنيت مثل ام على الورقة، كانت الفتاتان في مكانيهما والقطتان في زاوية الورقة نائمتان في وضعية متهالكة، لكنهما ما أن سمعا اللحن الصباحي الذي انطلق من الراديو حتى اعادتا الكرة وطافتا في ارجاء الورقة، وفي اول كلمة كتبتها في رسالتي المستعجلة إليك، قفزتا كلاهما وراحتا تتهدهدان في الفضاء وتبعتهما الفتاتان، طاف كل خط منهما في الغرفة، بدا الأمر مثل انفجار خطي بعثر تركيبهم واحاله إلى شذرات رصاص تتهادى على وقع الموسيقى.

هناك تعليق واحد: