الأحد، 6 مايو 2018

صديقان في أور



أعرف طعم كل صباح، هناك صباح أصفر تدخل فيه الشمس عبر خط مستقيم تملؤه الباكتريا. وصباح صاخب تركض فيه الأصوات والضحكات فتنسى ثقل الوجود، وصباح آخر أبيض استيقظ فيه على صوت نقار خشب يبني بيته على جدران البنايات، ربما يبني بيتاً وربما يدق كل صباح ليحفر في رؤوس الناس ثقباً ينزف كل ألوان وموسيقى الماضي. غير أنهم ينهضون عن السرير ويغلقون هذا الثقب الذي أحدثه النقار ليحافظوا على خفة الوجود.
إن العالم مضجر مثل شارع فارغ في ضهيرة صيفيّة، لكننا البشر _في هذه الأيام_ لا نقول هذه الجملة بهذه الدرجة من الوضوح، بل نخلق ما يجعل هذه الفكرة حقيقية، نرسم ونكتب ونغني ونخرج لمقابلة الأصدقاء ونعمل ونمارس الرياضة ونشاهد السينما ونقتني حيوانات أليفة ونقرأ عن الغابات والتاريخ الدامي للرومان وأقوال الحكماء الكلدان ويملؤنا الضجر فنقرأ عن المجرات والكواكب وننجب اطفالاً كُثر، نلبس كلّ منهم قميصاً بلون مختلف ونطلقهم للشوارع والغابات والصحارى والأنهار والبحر، فلأطفال قدرة تمنعهم من الألم لحظة الغرق أو الموت.
حمدول أحد هؤلاء الأطفال، في الثامنة من عمره. كان يركض في الشوارع بإتجاه دار أيتام وفي يده ورقة أنهكها المطر. لكن مزاجاً ما عصف به وقرر بدل ذلك أن يجلس على الرصيف ويتابع الأطفال والآخرين.

قال له طفل أكبر منه سناً:
-إنه عصر الأشياء المؤقتة.

ظهيرة مملة وطفل متّسخ. ينظر حمدول للورقة التي في يديه والتي هي سيرته الذاتيّة، يعرف أن مهاراته قليلة بالنسبة لأقرانه وأنه قد لا يحصل على عمل لمجرد أنه لاعب خط وسط جيّد وعنده في جعبته خمسين دعبلاً، كذلك يتقن القراءة والكتابة والكلام: الإهتزازات التي تنطلق للهواء والتي لن تمنحه أي خلود يُذكر. غير أن ما يُحبط حمدول هي حقول الورقة الفارغة، فهو لا يعرف أسما أبيه وأُمّه ولا المكان الذي ولِد فيه. تنتاب حمدول تلك الوخزة التي تغيّر حياة كلّ منا في لحظة ما: بأنك وحيد في مواجهة العالم. لذلك يملأ الحقول بما يتخيّله.
الأم: سناء.
الأب: جهاد.
مكان الولادة: أور.
يهزّ الفتى الآخر رأسه برضا ويعلن بأن حمدول جاهز الآن.
-بقي أمر أخير. يجب أن نذهب لمسقط رأسك ونجلب ما يُثبت أنك ولدت هناك. عندها ستكون سيرتك الذاتية جاهز.

يقرر الإثنان السفر إلى أور.
الطفل ثرثار ولا يفوّت مشهداً أو كلمة دون أن يطلق تعليقاتٍ ضاحكة ويمسح فمه بياقة قميصه. أما النافذة التي ينظر منها حمدول فمتسخة وساخنة، وما خلف النافذة صحراء تهرب للوراء ولهيب في الأفق. يعاود النظر للورقة.
-هل من شيء آخر أضيفه؟ مثلاً أن أُغيّر عمري أو أضيف مهاراتٍ أخرى.
-يمكننا أن نفكّر بالأمر، رحلتنا طويلة. قلْ لي، حمدول، كم عمرك؟
يشير حمدول للرقم على الورقة. ثمانية.
يزفر الطفل الآخر ويخبر حمدول أنه كما سبق وأخبره جاهز لكن روحه بالتأكيد هشّة أمام مخالب العالم، فالعراق الآن غريب أكثر من أي مرة مضت، أو ربما العالم كلّه كذلك فنحن لا ندرِ شيئاً عما يجري في البعيد. يفتح حمدول فمه بذعر عندما يخبره الطفل بأن على رقبة كلّ عراقي هناك رمز بأحرف وأرقام بلون أخضر ورمز آخر على قلبه بلون أحمر، من خلال الأول يمكننا معرفة اليوم الذي سيموت فيه أما الثاني فيمكننا من معرفة اليوم والمشهد الذي سيموت فيه قلبه وينطفئ مثل جمرة وحيدة في صحراء. حمدول لا يعرف كل هذه التفاصيل فالفقر لم يمنحه إمتياز التساؤل حتى.

بعد أن نزلا من الحافلة أقترح الطفل أن يسألا أي شرطيّ أو إنسان بالغ عمن يمكنه مساعدتهم، لكن حمدول مشى مثل نائم وقال أنهما ذاهبان لقلعة أور حيث سيجدان ما يثبت ولادته في هذه المنطقة. في الطريق إلى القلعة لا يصادف المرء سوى وجوه شقراء غريبة وأخرى من تراب وحزن، بدا للطفلان أن مشاة هذه المنطقة لا يأبهون للزمن وللموت، هل تفهم ما أعنيه أيها القارئ؟ إن الناس هناك أشبه بمن فهم كل شيء فلم يعد بحاجة لأي لحظة إضافية.
لف حمدول وجهه باحثاً عن أي كشك لبيع المرطبات دون أن يجد شيئاً آخر سوى ناس يذهبون ويجيئون من القلعة. أثناء بحثه هذا ارتطم ظلّه بظل امرأة، تأمل في ظلها وضحك ثم رفع رأسه ونظر إلى وجهها الضاحك وفستانها الأحمر المترب.
قال له صديقه أن جسدها يشبه ما يصنعه بالطين الإصطناعي.
لم تكن للمرأة أصابع في يدها اليمنى ولا حتى كف، بل حين تابع حمدول البحث عن ذراع ورقبة ووجه لم يجد أي شيء. كانت قد اختفت بين الجموع ولم يساعده فستانها الأحمر على تمييزها.
-في ملحمة كلكامش توجد أول نسخة من قصة الحسناء والوحش.
قال حمدول دون أن يعلّق صديقه.
-ما تسمعني؟
-لا أفهم ما تقوله يا حمدول.
-كلكامش عراقي قديم، وصديقه عراقي قديم. إسمه انكيدو، انكيدو الوحش وشامهات الحسناء. أنت تعرف قصة الحسناء والوحش؟
-أنا لا اقرأ الكتب.
مسح عن جبينه بكمّه ثم أكمل:
-أمي وأبي يكرهون الكتب، هم أصلاً كانوا من المشاركين في حملة التطهير.
بدا على حمدول البلاهة والفضول.
-أوف حمدول، أنت قديم!
-يعني أنتم لا تقرؤون؟
-نقرا الأخبار ونسمع عن الأشياء التي تحدث في العالم.

أفرغ الصديقان محفضتيهما ولم يكن بحوزتهما ما يكفي لدخولهما سوية، كان عليهما أن يقررا دخول أحدهما فقط. انبرى حمدول أنه يعرف عن أور والقلعة معلومات وقصص كثيرة وأنه هنا لإثبات مولده، غير أن لصديقه رأي آخر، فقصص ومعلومات حمدول عن المدينة والقلعة ليستا كافيتان، هو لا يعرف حاضر المكان ولا الكيفية التي يفكر فيها الناس الآن، لذا سيكون من الغباء أن يتلفا النقود دون نتيجة.
لم يلن حمدول لحجج صديقه الذي أقترح أن تقم العملة محل الحكم بيننا، لكن الأمر لم يكن عادلاً لحمدول:
-لنقم بشيء أكثر حكمة.
أخرج من جيبه صورة للوحين خشبيين مربوطين ببعضهما.
-هذه لعبة أور الملكية، ربما كانوا يلعبونها في هذه القلعة. تعال نلعب، وهي تحكم من سيدخل.
جمّع حمدول الحجارة ورفع صديقه على _مضض_ عصا عن الأرض وأخذ يرسم شكل اللعبة على التراب.

تضم ألواح اللعبة عشرين مربعاً من الصدف: خمسة مربعات بكل منها وريدة زهرية و"عيون" وحلقات. أما المربعات الخمسة الأخرى فعليها تصاميم مختلفة مكوّنة من خمس نقاط. وكما ذُكر في الوثائق القديمة أن ممارسة اللعبة تكون بتسابق لاعبان على تحريك القِطع من طرف اللوحة إلى الطرف الآخر، ولا يضع اللاعب قِطعه على اللوحة في بداية اللعبة إلا بعد حصوله على نتائج معينة من رمي النرد، كما أن المربعات التي عليها وريدات كانت تعتبر جالبة للحظ.*
تبادل الصديقان اللعب ثلاث مرات قبل أن يجلس حمدول على الأرض ويطأطىء رأسه بوهن. أخبر صديقه أنه يشعر بجسده بعيداً ولا يحس به جالساً على الأرض.
-حمدول. قبل كم سنة قامت مجموعة من الناس بدفن جميع الكتب التي تمجّد الأبدية في أماكن مجهولة، خاصة الكتب التي تحتوي على القصائد. ماما تقول دائماً أن الشعر يدقّ الحب والألم في القلب. هذا ما قصدته بحملة التطهير..
قطع الطفل كلامه وتأمل وجه حمدول الذي كان يتعرق أو ربما يبكي.
-حمدول أنت تبكي لأنك لا تشعر. صحيح؟ شعور المغادرة مرعب.
-هل هذا هو الموت؟ قال حمدول باكياً.
مسح الطفل فمه بياقة قميصه وقرّب وجهه إلى وجه حمدول، الذي رآى في عينيه ظلاماً يتحرك واسماكاً عفنة يصطادها شمبانزي طويل عملاق. هزّ رأسه وطلب من صديقه أن يدخل القلعة ويأتي بورقة ثبوتية لميلاده في أور.
-حمدول. كل الأطفال الذين يوشكون على الموت يأتون إلى أور. أنا طفل مجرم، صحيح. لكني لم أدع أي طفل يموت دون أن أخبره بالحقيقة. ماما كانت تقول أن الميت موهوماً سيصير شجرة ذات ثمار سامّة.
-هل أمك ميّتة؟
-أمي غير موجودة، ولا أبي. إلا أن الكتب الوحيدة المسموح لي قراءتها هي دفاتر يومياتهم. لا أعرف ما هو الموت ولا الحياة. لكني أحب كل ما كتبوه. كلّه صح!
فكرّ حمدول بالمرأة ذات الفستان الأحمر وبوجهها الضاحك ونظر للقلعة التي صارت مثل قبر عامل بسيط. كان صوت الريح يملأ المساحة الصحراوية ويضرب كل حبّة رمل. لم يتسنَ لحمدول أن ينظر لدموعه التي صارت بركة فقد اختفت الأشياء من حوله، ولم يشعر بيدا صديقه وهي تنتف شعيرات رموشه المبتلّة.
_____________________________
*المصدر: المتحف البريطاني.

الأحد، 11 فبراير 2018

تتابعات زمنية

الجلوس بين عصارات الألوان الزيتية وفرشات الرسم والجرائد الملطخة يولد شعوراً مقدساً لأنفي ويديّ، شعوراً بأني قادرة على الخلق، بمعنى آخر إني اقوم بدقّ اجراس أبدية على جدار العالم.
يتسلل ضوء شمس مختلف إلى الارضية وإلى وجهي، أعرف يقيناً أنه ضوء الذاكرة، لأنه يحمل رائحة حليب ورطوبة وصوت بكاء طفوليّ عذب.

أغمض عيني لاستحضر الظلام.
أليس الظلام سوى عدم؟
أليست المخيلة سوى ظلام؟
لو وضعنا أحدهم في مكان مظلم وسألناه أين أنت؟ لهذا السؤال أجوبة كثيرة:
ربما يكون في غرفة ليس فيها سوى سرير وكرسيّ، ربما في قبو، ربما في قصر، ربما في حلم أو قد يكون في نقطة حبر على ورقة.
لهذا السبب أغمض عينيّ في لحظات الحنين والمرارة، في محاولة جبّارة لترتيب فائض الوجود.

بالعودة للطفولة، كنت أجد ذات المتعة في الرسم لكني لم أكن أشعر بأي قدسية تجاه الأمر، كان مجرد حاجة مجهولة لأصنع شيئاً ما على الورقة.
الأمر الآخر الذي كان يشغل وقتي وافكاري هو كتاب للشاعر الهندي طاغور. كان كتاباً مهترءاً بصفحات صفراء وغلاف أخضر ممزق، على الغلاف صورة لطاغور يبدو أن أحدهم رسمها بقلم حبر.
لم أكن منجذبة لمحتوى الكتاب، فقد كان صعباً ولغزاً بالنسبة لطفلة، لكنني داومت على قراءة ملاحظات صغيرة مكتوبة بقلمي الرصاص والحبر الأحمر على جانبي كل صفحة، هي ملاحظات فلسفية كذلك غير أني كنت أشعر بأن نسيماً بارداً يداعب وجهي عند قراءتها فأخرج للركض في الشارع وقلبي مملوء بضحكة وبمساحة جديدة لم تُطأ بعد.
أدركت لاحقاً بعد سنين أن الكتاب يعود لجارتنا وأنها كانت تتبادل الملاحظات مع حبيبها قبل أن تأخذه الحرب إلى الفراغ ويصير قصة.

بعد سنين أكثر وحين صرت شابة فتحت لي الجارة ذاكرتها وارتني صورة حبيبها: وجه عادي الملامح مرتدياً بذلة حمراء مضحكة.

بعد سنين أخرى كنت اهرول للحاق بالقطار ورأيت على الجانب الآخر رجلاً يشبه حبيب جارتي، ذات الوجه وذات البذلة، غير أنه كان يدخن بشراهة حتى بدا الدخان أسفل وجهه وكأنه لحية.
نظرت إليه وكأنه بابا نؤيل في هذا الثلج ونظرت إلى ذكرياتي. توقف الزمن للحظة قصيرة وسمجة؛ واحدة من هذه اللحظات المعتادة التي نتذكر فيها جريان الزمن ونفزع ثم نستمر في الركض وركوب قطارات الحياة.